أصل حكم الشرع في الأصوات
إن الله تبارك وتعالى وهب الإنسان نعم الحواس الخمس: السمع، والبصر، والذوق، والشم، واللمس، وامتن عليه بها، وسائل لإدراك الأشياء، وتمييز ما ينفعه منها وما يضره، وعلق بها الكثير من الشرائع والأحكام.
ونعمتا السمع والبصر أعظم تلك النعم وأشرفها، ولذلك ميزتا مع العقل على سائر النعم بالامتنان على بني الإنسان، كما قال تعالى:
(..وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78)) سورة النحل
و السعيد من استعملها فيما يرضي الله تبارك وتعالى، والشقي من حرم نفعها بالطبع عليها، فذهب عليه بذلك خير دنياه وأخراه.
والأصل في هاتين النعمتين الإطلاق، لا الكف، وضابطهما: حل استعمالهما في كل شيء، إلا شيئا فرض الله ورسوله “ص“ منعهما منه، شأن سائر النعم، يستمتع بها صاحبها بإذن المنعم عز وجل كيف شاء دون حرج، إلا في استثناء محدود، غايته مصلحة العبد.
فإذا جئت إلى المسموع، فهو كل صوت، حسنا كان أو قبيحا، نافعا أو ضارا، لكن العقول ركبت على تمييز ما تستحسنه من الأصوات وما تستقبحه، فتلتذ بصوت البلبل، وتنفر من صوت الحمار، وقد قال تعالى:
(..إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)) سورة لقمان
واللذة بسماع الأصوات هي سبب إقبال النفوس عليه، واشتغالها به، كانت غناء أو موسيقى، أو قرآنا وأذانا وموعظة، ولا يلتذ الإتسان بما يستقبحه عقلا، إذ الأصل في اللذة، أنها: “إدراك الملائم من حيث إنه ملائم، كطعم الحلاوة عند حاسة الذوق، والنور عند البصر“.
قال ابن خلدون في مقدمته: “والمحسوس إنما تدرك منه كيفيته، إذا كانت مناسبة للمدرك وملائمة كانت ملذوذة، وإذا كانت منافية له منافرة كانت مؤلمة، فالملائم من الطعوم ما ناسبت كيفيته حاسة الذوق في مزاجها، وكذا الملائم من الملموسات، وفي الروائح ما ناسب مزاج الروح القلبي البخاري، لأنه المدرك، وإليه تؤديه الحاسة، ولهذا كانت الرياحين والأزهار العطريات أحسن رائحة وأشد ملاءمة للروح، لغلبة الحرارة فيها، التي هي مزاج الروح القلبي. وأما المرئيات والمسموعات، فالملائم فيها تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها، فهو أنسب عند النفس وأشذ ملاءمة لها، فإذا كان المرئيئ متناسبا في أشكاله وتخاطيطه التي له بحسب مادته، بحيث لا يخرج عما تقتضيه مادته الخاصة من كمال المناسبة والوضع- وذلك هو معنى الجمال والحسن في كل مدرك- كان ذلك حينئذ مناسبا للنفس المدركة فتلتذ بإدراك ملائمها... ولما كان أنسب الأشياء إلى الإنسان واقربها إلى مدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنساني، فكان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدارك التي هي أقرب إلى فطرته، فيلهج كل إنسان بالحسن في المرئي أو المسموع بمقتضى الفطرة“.
و يقول ابن عبد ربه الأندلسي في “العقد الفريد“:
“وتوافق اعتبار الملاءمة بين سماع الصوت الحسن ومزاج الإنسان وطبعه، أن الأطباء قالوا: “الصوت الحسن يسري في الجسم، ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتنمو له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات “ ولذلك كرهوا للطفل أن ينوم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.
فتأمل ما للتغني بالقرآن من أثر في جلب الخشوع والسكون والأنس بذكر الله، وما في الترنم بعبارات الذكر والشكر للمنعم تعالى من أثر يلامس المشاعر الباطنة، وما في الإنشاد بالشعر الجميل في الحكمة والعلم والأدب وحب الخير ما يشد القلوب إلى العمل، وما لسماع أصوات البلابل والعصافير من مجلبة للسكون والفكر، كما يجد ذلك من يعيش حيث الخضرة والشجر.
وسيأتي التنبيه على ما للأصوات الموسيقية من أثر واقع ودواء ناجع لعلاج بعض الأمراض.
بل الواقع شاهد على ان الصوت “ الموزون المتآلف الصادر من الحناجر والألسنة أو من الآلات يؤثر حتى على أمزجة الحيوان.
فتأثير الحداء في الإبل معروف عند العرب، وقد رأينا ذلك.
وكذلك استخدام الموسيقى للبقر لإدرار اللبن.
كذلك النحل- فيما قالوا- أطرب الحيوان إلى الغناء.“
فالأصوات الحسنة مؤثرة على العقول والأذهان وفاعلة في الطباع والأمزجة، بما لا يخفى إدراكه في واقع الحياة، خصوصا تلك التي تخرج على الأصول والقوانين.
فبالنظر إلى المسموع بهذا الاعتبار، فإن الأصل: حله في شريعة الإسلام، جريا على قواعدها وأصولها، في مجاراة الفطرة، إذ الإسلام دين الفطرة، فاللذة بذلك لذة مشروعة في أصلها، لموافقة الطبيعة الإنسانية، والحكم تأصيلا في كل لذة: انها على الحل.
وحيث يستلذ بالسماع، فما كان لذة فالأصل فيه الإباحة، وعليه: فسماع كل ماهو حسن مباح.
هذا الأصل لا يستثنى مته إلا ما استثناه حكم الله تعالى وحكم نبيه “ص“.
فحكم الله تعالى هو الذي زاد في قدر سماع القران إلى ما فوق الإباحة المجردة، كما قال تعالى:
(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204))سورة الأعراف
فأمر بالاستماع له والإتصات، وهذا خير السماع، وأحلى وأجل ما أصغت إليه الآذان.
وقد اعتبرت الشريعة فيه طريقة الأداء لتكون أوقع في النفس، فأمرت بتحسين أدائه والتغني به، كما في نصوص عديدة، كقوله تعالى:
(..ورتل القرآن ترتيلا (4) ) سورة المزمل
وكما قال النبي “ص“: “زينوا القرآن بأصواتكم “ (حديث صحيح)، وكذلك سماع الذكر والعلم، فهو سماع مأمور به إيجابا أو ندبا.
ومدح الله تعالى عباده بقوله:
(..فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (18) ) سورة الزمر..
فهؤلاء يستمعون لكل قول لم ينهوا عن استماعه، ثم يجعلون إمامهم أحسن ما سمعوا.
وذم الله عز وجل سماع اللغو والاشتغال به، ونزه عباده عنه،كما قال تعالى:
(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) ) سورة القصص
وهذا لغو الكفار المعرضين عن الحق، وهم المرادون بالجاهلين، كما قال تعالى في موضع آخر في سياق وصف عباده:
(..وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)) سورة الفرقان
فلغو الكفار كان لسب المؤمنين وإيذاءهم بالقول، والتشويش به عن سماع الذكر والقرآن، كما قال تعالى:
(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ) سورة فصلت
وهذا لغو محرم الإقبال عليه والإنصات إليه، وقبحه عند أهل الإيمان شرعي وعقلي، وليس عندهم محلا للذة ولا رغبة.
وكذلك الأصوات الخائضة في الباطل، فهي مما تنفر منه نفوس أهل الإيمان، ولا يستلذها إلا من أظلم قلبه بالكفر، كما قال تعالى:
( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68)) سورة الأنعام
وكل صوت منكر حسا أو شرعا فليس بطيب يستلذ.
كذلك من اللغو: كل ما صدك سماعه عن الخير، فإن كان صدا عن واجب أثمت من جهة ترك الواجب، وإن صدك عن مندوب فوتت على نفسك الثواب بسببه.
و من هذا إطلاق مسمى اللغو في الشرع على الكلام المباح إذا وقع و الخطيب يخطب يوم الجمعة، لما يفوت من مصلحة استماع الخطيب، في حق المتكلم و غيره من الحاضرين.
ومالا ينفع من الكلام لغو مباح.. لا حرج فيه تأصيلا.. ولا تنفك عنه نفس إلا من عصم الله ، و ليس هو المعني في مدح المؤمنين بالإعراض عنه، لدلالة السياق.
وحاصل هذا التأصيل:
أن سماع الأصوات الحسنة المسكوت عن حكمها في الشرع مباح كله، كان من إنسان أو حيوان أو آلة، وهذا يوجب إلحاقها بالطيبات التي قال الله تعالى فيها:
(يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ..)سورة المائدة: 4،.
فما نطق الشرع فيه بحكم سوى ذلك، فلعلة خارجة عن حسنه لذاته، فتنظر في كل صورة بحسب ما نطق به الدليل.
وغاية مقصودنا في هذا المبحث الإبانة عن هذا الأصل في الأصوات الحسنة.
تعليقى لأشكر كل من ساهم في هذه الصفحة من كاتب ومصمم وناشر وصاحب الموقع وأي شخص
كلام قيم وجميل